إخوان الصفاء
48
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
إلى تزويج ، أو من ذلّ إلى عز ، أو من عطلة إلى شغل ، أو من بؤس إلى نعمة ، أو من رفعة إلى ضعة ، أو من ضعة إلى رفعة ، أو من صناعة إلى تجارة ، أو من صحبة قوم إلى صحبة آخرين ، أو من رأي مذهب إلى مذهب ، أو من شباب إلى شيخوخة ، أو من صحة إلى مرض ، إلّا ويحدث له خلق جديد وسجيّة أخرى ، ويتغير خلقه مع إخوانه ، ويتلوّن مع أصدقائه ، إلّا إخوان الصفاء الذين ليست صداقتهم خارجة من ذاتهم ، وذلك أن كل صداقة تكون لسبب ما ، فإذا انقطع ذلك السبب بطلت تلك الصداقة ، إلّا صداقة إخوان الصفاء فإن صداقتهم قرابة رحم ، ورحمهم أن يعيش بعضهم لبعض ، ويرث بعضهم بعضا ، وذلك أنهم يرون ويعتقدون أنهم نفس واحدة في أجساد متفرقة ، فكيفما تغيرت حال الأجساد بحقيقتها ، فالنفس لا تتغيّر ولا تتبدّل ، كما قال القائل : وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه ، * ولو أن ما في الوجه منه خراب لها ظفر ، إن كلّ ظفر أعدّه ، * وناب ، إذا لم يبق في الفم ناب يغيّر مني الدهر ما شاء غيرها ، * فأبلغ أقصى العمر ، وهي كعاب وخصلة أخرى ، أن أحدهم إذا أحسن إلى أخيه إحسانا فلا يمنّ عليه به ، لأنه يرى ويعتقد أن إحسانه إلى نفسه ، وإن أساء إليه أخوه لم يستوحش منه لأنه يرى أن ذلك كان منه إليه . فمن اعتقد في أخيه مثل هذا واعتقد أخوه فيه مثل ذلك ، فقد أمن كل واحد من أخيه غائلته أن يتغيّر عليه في يوم من الأيام بسبب من الأسباب أو بوجه من الوجوه .